هــل صام الرسول الكريم ( صلى الله عليه واله ) يوم عاشوراء
يذكرون أن الرسول الاعظم ( صلى الله عليه واله ) حينما قدم المدينة , وجد يهود المدينة يصومون يوم عاشوراء , وهو العاشر من محرم , فسألهم عن ذلك فقالوا على مافي الصحيحين وغيرهما{{هذا يوم عظيم , أنجى الله فيه موسى وقومه , وغرق فرعون وقومه فقال (صلى الله عليه واله ) فأنا أولى بموسى , وأحق بصيامه منكم فصامه رسول الله ( صلى الله عليه واله ) وأمر بصيامه }} . وكان ذلك قبل أن يُفرض صوم رمضان .
وفي الصحيحين وغيرهما أيضا ً :ـ عن عائشة وغيرها قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان رسول الله ( صلى الله عليه واله )) يصومه فلما هاجر الى المدينة صامه , وأمر بصيامه , فلما فرض شهر رمضان قال { من شاء صامه ومن شاء تركه } .
ويذكر مسلم وغيره :ـ أن صيامه ( صلى الله عليه واله ) ليوم عاشوراء كان قبل وفاته بسنة .
كذب تلك الروايات :ـ
ونحن نعتقد ونجزم : بأن ذلك كله من نسج الخيال فبغض النظر عن:ـ
المناقشة في أسانيد تلك الروايات , وكون أكثر رواتها محل تهمة وريب , كما أن فيهم من لم يأت الى المدينة الا بعد عدة سنين من الهجرة كأبي موسى الاشعري , وفيهم من كان حين الهجرة طفلا ً صغيرا ً كأبن الزبير فضلا ً عن شهوده ماقبلها , وفيهم من لم يُسلم الا بعد سنوات من الهجرة كمعاوية .
وعن تناقضها فيما بينها يكفي أن نذكر أن رواية تقول { أنه صام يوم عاشوراء في المدينة , متابعة لليهود ولم يكن يعلم به } وأخرى تقول : { أنه كان يصومه هو والمشركون في الجاهلية } وثالثة تقول { أنه ترك يوم عاشوراء بعد فرض شهر رمضان ) وأخرى { أنه لما صامه قالو له { أنه يوم تعظمه اليهود , فوعد أن يصوم اليوم التاسع في العام المقبل , فلم يأت العام المقبل حتى توفي ( صلى الله عليه واله ) ورواية أخرى عن معاوية الذي لم يسلم الا عام الفتح تقول : { أنه ( صلى الله عليه واله ) لم يأمر أصحابه بصيام عاشوراء بل قال لهم : لم يكتب الله عليكم صيامه , وأنا صائم , فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر } . الى غير ذلك من وجوه الاختلاف التي تظهر بالتتبع والمقارنة . وقد ذكر شطرا ً منه أبن القيم فراجع ( زاد المعادج1ص164ـ165)
فنحن بعد غض النظر عن ذلك نشير الى مايلي :ـ
أولا ً :ـ أن الرواية الاولى تفيد :{ أن النبي ( صلى الله عليه واله ) كان يجهل بسنة أخيه موسى , وأنه تعلمها وأستفادها من اليهود وقلدهم فيها , ولا ضير عن هؤلاء في ذلك فأنهم يروون ـ ونحن نستغفر الله من ذلك ـ أنه (صلى الله عليه واله ) كان يحب موافقة أهل الكتاب في كل مالم يؤمر به }.
ثم يروون عنه ( صلى الله عليه واله ) مايناقض ذلك ـ وكذلك هو يناقض نفسه دائما ًعندهم , حتى في هذا المورد فهو يكره في الأذان بوق اليهود وناقوس النصارى , ويخالفهم في معاملة الحائض ويأمر بصبغ الشعر , مخالفة ًلليهود والنصارى , وينهى عن تقليدهم في الاسلام . وكان ( صلى الله عليه واله ) يصوم يوم السبت والاحد كثيرا ً , ويقصد بذلك مخالفة اليهود والنصارى .
بل لقد بلغ في مخالفته لهم حداً جعل اليهود يقولون { مايريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا ً الا خالفنا فيه } .
وقال أبن الحاج { وقد كان عليه الصلاة والسلام يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم حتى قالت اليهود ( ان محمداً يريد أن لايدع من أمرنا شيئا ً الا خالفنا فيه } .
وقد ورد في الحديث { مَن تشبَّه بقوم فهو منهم }
ثانيا ً :ـ أن أطلاق كلمة عاشوراء على العاشر من محرم أنما حصل بعد أستشهاد الامام الحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته وصحبه ( صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ) ثم أقامة المآتم لهذه المناسبة من قبل أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم رضوان الله تعالى عنهم , ولم يكن معروفا ً قبل ذلك على الاطلاق , وقد نص أهل اللغة على ذلك فقد قال أبن الاثير { هو أسم أسلامي ) .
وقال ابن دريد { أنه أسم أسلامي لايعرف في الجاهليه } .
ثالثا ً :ـ اننا لم نجد في شريعة اليهود صوم عاشوراء , ولا هم يصومونه الآن , ولا رأيناهم يعتبرونه عيدا ً أو مناسبة لهم .
رابعا ً :ـ ان صوم شهر رمضان قد فرض في مكة قبل الهجرة فراجع .
وبعد كل ماتقدم { ثبوت كذب هذه الاحاديث فلا يبقى مجال لجعل عدول النبي ( صلى الله عليه واله ) عن صوم يوم عاشوراء من أسباب حقد اليهود على المسلمين كما زعمه البعض } .
المصادر:ـ
المصنف ج4 ص290 والبخاري ط الميمنية ج1 ص244 وصحيح مسلم ط صبيح مصر ج3 ص150 والسيرة الحلبية ج2 ص132 وتاريخ الخميس ج1 ص360 والبداية والنهاية ج1 ص274 وراجع تفسير بن كثير ج1 في آيات صيام شهر رمضان في سورة البقرة ومشكل الاثار ج3 ص85 وزاد المعاد ج1ص 164وصحيح مسلم ج3 ص151
راجع كله مفتاح كنوز السنة فقد نقل ذلك في البخاري كتاب 60 و77 باب 50 و 67 والمدخل لابن الحاج ج2 ص48 ونهاية بن الاثير ج3 ص240 والجمهرة في لغة العرب ج4 ص212وراجع مقال حسن السقاف في مجلة الهادي سنة 7 عدد2 ص36